أبو حامد الغزالي

269

تهافت الفلاسفة

والنفس الجاهلة في الحياة الدنيا ، حقها أن تتألم بفوات لذة النفس ، ولكن الاشتغال بالبدن ، ينسيه نفسه ، ويلهيه عن ألمه ؛ كالخائف لا يحس بالألم ؛ وكالخدر لا يحس بالنار ، فإذا بقيت ناقصة ، حتى انحط عنها شغل البدن ، كان في صورة الخدر ، إذا عرض على النار ، فلا يحس بالألم ، فإذا زال الخدر شعر بالألم العظيم دفعة واحدة هجوما . والنفوس المدركة للمعقولات ، قد تلتذ بها إلتذاذا خفيا ، قاصرا عما تقتضيه طباعها ، وذلك أيضا لشواغل البدن وأنس النفس بشهواتها . ومثاله مثال المريض ، الذي في فيه مرارة ، يستبشع الشئ الطيب الحلو ، ويستهجن الغذاء ، الذي هو أتم أسباب اللذة في حقه ، فلا يتلذذ به لما عرض له من المرض . فالنفوس الكاملة بالعلوم ، إذا انحطت عنها أعباء البدن وشواغله بالموت ، كان مثاله مثال من عرض عليه الطعم الألذ ، والذوق الأطيب ، وكان به عارض من مرض ، يمنعه من الإدراك ، فزال العارض ، فأدرك اللذة العظيمة دفعة . أو مثال من اشتد عشقه في حق شخص ، فضاجعه ذلك الشخص وهو نائم ، أو مغمى عليه ، أو سكران ، لا يحس به ؛ فيتنبه فجأة ، فيشعر بلذة الوصال ، بعد طول الانتظار ، دفعة واحدة . وهذه اللذات حقيرة ، بالإضافة إلى اللذات الروحانية العقلية ، إلا أنه لا يمكن تفهيمها للإنسان ، إلا بأمثلة مما شاهده الناس في هذه الحياة . وهذا كما أنا لو أردنا أن نفهم الصبى أو العنين لذة الجماع ، لم نقدر عليه ، إلا بأن نمثله ، في حق الصبى باللعب ، الذي هو ألذ الأشياء عنده ؛ وفي حق العنين ، بلذة الأكل الطيب ، مع شدة الجوع ، ليصدق بأصل وجود اللذة ، ثم يعلّم أن ما فهمه بالمثال ، ليس يحقق عنده لذة الجماع ، وأن ذلك لا يدرك إلا بالذوق . والدليل على أن اللذات العقلية ، أشرف من اللذات الجسمانية ، أمران : أحدهما ، أن حال الملائكة أشرف من حال السباع والخنازير من البهائم ،